هذه هي الولايات المتحدة حين تُنزع عنها طبقات التغليف البراق التي أتقنت السياسة الديمقراطية تسويقها. يأتي ترامب بفظاظته لا ليشوّه الصورة، بل ليكشفها؛ فيُظهر الجوهر العاري للدولة التي صاغها الآباء المؤسسون: كيان قام على الضم القسري والتوسع المستمر، ولايات كانت يومًا كيانات مستقلة ثم ابتُلعت واحدة تلو الأخرى، واحتفظت بأسمائها القديمة كأقنعة تخفي تاريخ ابتلاعها.
ما يفعله ترامب لا يمكن اختزاله في نزوة شخصية أو انحراف فردي، بل هو استعادة فجّة لبنية راسخة في السياسة الأمريكية منذ لحظة التأسيس.
خطاب الحرية ظل دائمًا واجهة أخلاقية، بينما قامت الممارسة الفعلية على السيطرة والهيمنة والضم، داخل الحدود الأمريكية أولًا، ثم خارجها لاحقًا.
الفرق الوحيد أن الإدارات السابقة كانت تُتقن الإخفاء، أما ترامب فاختار الفضح.
إعلانه برنامجًا جديدًا للأمن القومي، وإحياؤه الصريح لمبدأ مونرو الصادر عام 1823، ليس تفصيلًا عابرًا. ذلك المبدأ الذي أعلن القارة الأمريكية مجال نفوذ حصري للولايات المتحدة، كان البوابة النظرية لسلسلة طويلة من الحروب والانقلابات المدعومة أمريكيًا في تشيلي وغواتيمالا ونيكاراغوا وغيرها، حيث كان الهدف الثابت هو منع صعود أي قوى يسارية أو قومية تهدد الاحتكار الأمريكي للقرار والموارد.
برنامج ترامب يجعل القضاء على اليسار في أمريكا الجنوبية هدفًا معلنًا بلا مواربة، ويعيد تعريف القارة بأكملها باعتبارها مجالًا تابعًا يجب إخضاعه بالقوة أو بالابتزاز أو بالبلطجة السياسية. لم تعد اللغة دبلوماسية، ولم يعد القناع ضروريًا.
هذه هي أمريكا لمن يريد أن يراها على حقيقتها، لا كما تحب أن تُسوّق نفسها. وفنزويلا ليست إلا بداية لمسار أطول، عنوانه جشع الكاوبوي الأمريكي المتعطش للنفط والمعادن والنفوذ، داخل محيطه الجغرافي الذي يعتبره ملكية خاصة، لا مجالًا للتعدد أو السيادة.
------------------------------
بقلم: محمد حماد






